حسن الأمين

219

مستدركات أعيان الشيعة

وقال الناشئ : إن البارئ « شيء » موجود في الحقيقة ، وإن البارئ « غير الأشياء » والأشياء غيره في الحقيقة ( 1 ) وقال عبد الله بن كلاب : إنه تعالى موجود لا بوجود ، و « شيء » لا بمعنى له كان شيئا ( 2 ) وزعم الكعبي في ( مقالاته ) : إن المعتزلة اجتمعت على أن الله عز وجل « شيء لا كالأشياء » ( 3 ) وقال أبو الحسين الصالحي - من المعتزلة - في صفات الله معنى قولي : « إن الله عالم لا كالعلماء » و « قادر لا كالقادرين » و « حي لا كالأحياء » إنه : « شيء لا كالأشياء » . وكان يقول : إن معنى « شيء لا كالأشياء » معنى « عالم لا كالعلماء » ( 4 ) وقال بعضهم : لا أقول : العلم شيء ، ولا أقول : الصفات أشياء ، لأني إذا قلت : البارئ « شيء » بصفاته ، استغنيت عن أن أقول : صفاته أشياء ( 5 ) وقال ابن حزم الظاهري : إن قالوا لنا : إنكم تقولون : إن الله عز وجل « شيء لا كالأشياء » ؟ . قلنا : . . . لفظة « شيء » النص جاء بها ، والبرهان أوجبها ( 6 ) وقال الرازي : « الموجود » و « الشيء » هما من صفات الله الذاتية ، المراد منها الألقاب الدالة على الذات ( 7 ) وقد استدل الجبائي على ذلك : بان الشيء : سمة لكل معلوم ، ولكل ما أمكن ذكره والاخبار عنه ، فلما كان الله عز وجل معلوما ، يمكن ذكره والاخبار عنه ، وجب أنه « شيء » ( 8 ) وهشام أخذ مقولة « شيء لا كالأشياء » من كلام الإمام الصادق ع الذي نقلناه ، حيث أجاب من سأله عن الله تعالى : ما هو ؟ فقال : هو « شيء بخلاف الأشياء » . فان هشاما هو راوي ذلك الحديث عن الصادق ع ( 9 ) وإذا صح إطلاق « الشيء » على الله جل ذكره ، فهو حسب اصطلاح هشام لا يكون إلا « جسما » ( 10 ) كما مر مفصلا . وإذا ثبت أن الله « شيء لا كالأشياء » فهو عند هشام ، ومن قال بمصطلحه : « جسم لا كالأجسام » . ولقد جهد المعتزلة الفصل بين المقولتين ، والحكم بعدم الملازمة بينهما : قال القاضي عبد الجبار : فان قيل : أليس عندكم أنه تعالى : « شيء لا كالأشياء » وقادر لا كالقادرين ، وعالم لا كالعالمين ، فهلا جاز أن يكون « جسما لا كالأجسام » ؟ . قيل له : إن « الشيء » اسم يقع على ما يصح أن يعلم ويخبر عنه ، ويتناول المتماثل والمختلف والمتضاد ، لهذا يقال في السواد والبياض : أنهما « شيئان » متضادان ، فإذا قلنا : إنه تعالى « شيء لا كالأشياء » فلا يتناقض كلامنا ، لأنا لم نثبت بأول كلامنا ما نفيناه باخره ، وكذا إذا قلنا : إنه تعالى قادر لا كالقادرين ، وعالم لا كالعالمين ، فالمراد به أنه قادر لذاته ، وعالم لذاته ، وغيره قادر لمعنى ، وعالم لمعنى . وليس كذلك ما ذكرتموه ، لأن الجسم هو : ما يكون طويلا عريضا عميقا ، فإذا قلتم : إنه « جسم » فقد أثبتم له الطول والعرض والعمق ، ثم إذا قلتم : « لا كالأجسام » فكأنكم قلتم : ليس بطويل ولا عريض ولا عميق ، فقد نفيتم آخرا ما أثبتموه أولا ، وهذا هو حد المناقضة ، ففارق أحدهما الآخر ( 11 ) وقد ذكر الدكتور محمد عبد الهادي أبو ريده مثل هذا الكلام بعينه ، وأضاف : وإذا كان قد قام الدليل على أنه ليس « جسما » فلا يصح القول : إنه « جسم لا كالأجسام » لأن حكم الأجسام واحد ( 12 ) والجواب : إن « الجسم » عند هشام وفي مصطلحه ، وعند من يطلق مقولة « جسم لا كالأجسام » على البارئ تعالى ، هو بمعنى « الشيء » وليس بمعنى « ما له الطول والعرض والعمق » كما فرضه المعتزلة حتى يرد عليه ما ذكروه ، فكلامهم هذا كله خروج عن مصطلح هشام . وإذا كان « الجسم » بمعنى « الشيء » فكما يصح إطلاق مقولة : « شيء لا كالأشياء » على البارئ باعتبار أن حقيقة الشيئية مشتركة بين البارئ وسائر الأشياء ، وإنما يمتاز البارئ عنها بخاصية وجودية لا توجد فيها ، فهو تعالى « شيء » بخلافها ، ولا تشبهه ولا يشبهها ، فمن جهة إثبات الشيئية له ، خرج عن حد التعطيل ، ومن جهة نفي المثيل له تعالى خرج عن حد التشبيه ، فثبت له تعالى التنزيه الكامل ، من دون تعارض بين صدر المقولة وذيلها . فكذلك مقولة « جسم لا كالأجسام » على مصطلح هشام ، فان الجسمية - بمعنى إثبات الشيئية بحقيقتها - ثابتة للبارئ تعالى ، مشتركة بينه وبين غيره من الأجسام ، فاثباتها له يخرجه عن حد التعطيل ، ونفي المماثلة بينه وبين الأجسام ، يخرجه عن حد التشبيه ، وهو التنزيه الكامل ، من دون معارضة بين صدر المقولة وذيلها . فظهر أن ما ذكروه غير وارد على هشام ، إذ أنهم أوردوا ذلك على مصطلحهم في الجسم ، وهو : ما له الطول والعرض والعمق ، لا على مصطلحه في « الجسم » وهو : « الشيء » .

--> ( 1 ) مقالات الإسلاميين 1 / 240 . ( 2 ) مقالات الإسلاميين 1 / 230 . ( 3 ) مقالات الإسلاميين 2 / 180 - 181 ، والفرق بين الفرق : 115 ، ومذاهب الإسلاميين 1 / 50 . ( 4 ) مقالات الإسلاميين 1 / 228 . ( 5 ) مقالات الإسلاميين 1 / 231 . ( 6 ) الفصل 2 / 118 - 119 . ( 7 ) لوامع البينات - للرازي - : 47 . ( 8 ) مقالات الإسلاميين 2 / 181 . ( 9 ) التوحيد - للصدوق - : 104 ، ب 7 ، ح 2 . ( 10 ) مقالات الإسلاميين 1 / 240 . ( 11 ) شرح الأصول الخمسة : 221 . ( 12 ) في التوحيد ، تكملة ديوان الأصول : 596 .